الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

473

تفسير روح البيان

للكل لأنهم المنتفعون بذلك وفي التأويلات النجمية ( خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ) لمرآتية صفات الحق تعالى ليكون مظهرها ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً ) اى في السماوات والأرض آية حق مودعة ولكن ( لِلْمُؤْمِنِينَ ) الذين ينظرون بنور اللّه فان النور لا يرى الا بالنور ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور جهان مرآت حسن شاهد ماست * فشاهد وجهه في كل ذرات فعلى العاقل النظر إلى آثار رحمة اللّه والتفكر في عجائب صنعه وبدائع قدرته حتى يستخرج الدر من بحار معرفته - روى - ان داود عليه السلام دخل في محرابه فرأى دودة صغيرة فتفكر في خلقها وقال ما يعبأ اللّه بخلق هذه فأنطقها اللّه تعالى فقالت يا داود أتعجبك نفسك وانا على ما انا واللّه اذكر اللّه واشكره أكثر منك على ما آتاك اللّه - وحكى - ان رجلا رأى خنفساء فقال ماذا يريد اللّه تعالى من خلق هذه أحسن شكلها أم طيب ريحها فابتلاه اللّه بقرحة عجز عنها الأطباء حتى ترك علاجها فسمع يوما صوت طبيب من الطرقيين ينادى في الدرب فقال هاتوه حتى ينظر في امرى فقالوا ما تصنع بطرقي وقد عجز عنك حذاق الأطباء فقال لا بد لي منه فلما احضروه ورأى القرحة استدعى الخنفساء فضحك الحاضرون فتذكر العليل القول الذي سبق منه فقال احضروا ما طلب فان الرجل على بصيرة فاحرقها ووضع رمادها على قرحته فبرئت بإذن اللّه تعالى فقال للحاضرين ان اللّه تعالى أراد أن يعرفني ان اخس المخلوقات أعز الأدوية كذا في حياة الحيوان فظهر ان اللّه تعالى ما خلق شيأ باطلا بل خلق الكل حقا مشتملا على المصلحة سواء عرفها الإنسان أو لم يعرفها واللائق بشأن المؤمن ان يسلك طريق التفكر ثم يترقى منه حتى يرى الأشياء على ما هي عليه كما هو شان أرباب البصيرة . وقد قالوا المشاهدة ثمرة المجاهدة فلا بد من استعمال العقل وسائر القوى وكذا الأعضاء فبالخدمة تزداد الحرمة ويحصل الانكشاف وتزول الحيرة ويجيىء الاطمئنان : قال المولى الجامي بىطلب نتوان وصالت يافت آرى كي دهد * دولت حج دست جز راه بيابان برده را ومعنى الطلب ليس القصد القلبي والذكر اللساني فقط بل الاجتهاد بجميع الظاهر والباطن بقدر الإمكان وهو وظيفة الإنسان ثم الفتح بيد اللّه ان شاء أراه ملكوت السماوات والأرض وجعله مكاشفا ومعاينا ومحققا واحدا وان شاء أوقفه في مقامه وأقل الأمر حصول التفكر بالعقل المودع ويلزم شكره فان اللّه تعالى أخرجه بذلك عن دائرة الغافلين المعرضين اللهم اجعلنا من المتفكرين المتيقظين والمدركين لحقائق الأمور في كل شئ من خلق السماوات والأرضين اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ التلاوة القراءة على سبيل التوالي والإيحاء اعلام في الخفاء ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى الأنبياء والأولياء وحي . والمعنى اقرأ يا محمد ما انزل إليك من القرآن تقربا إلى اللّه بقراءته وتحفظا لنظمه وتذكرا لمعانيه وحقائقه فان القارئ المتأمل ينكشف له في كل مرة ما لم ينكشف قبل وتذكيرا للناس وحملالهم على العمل بما فيه من الاحكام ومحاسن الآداب ومكارم الأخلاق كما روى أن عمر رضى اللّه عنه اتى بسارق فامر بقطع يده فقال لم تقطع يدي وكان جاهلا بالاحكام فقال له عمر بما امر اللّه في كتابه